ابن أبي الحديد
85
شرح نهج البلاغة
قوله عليه السلام : " واسع في كدحك " أي أذهب ما اكتسبت بالانفاق ، والكدح ها هنا : هو المال الذي كدح في حصوله ، والسعي فيه إنفاقه ، وهذه كلمة فصيحة ، وقد تقدم نظائر قوله : " ولا تكن خازنا لغيرك " . ثم أمره أن يكون أخشع ما يكون لله إذ هداه لرشده ، وذلك لان هدايته إياه إلى رشده نعمة عظيمة منه ، فوجب أن يقابل بالخشوع لأنه ضرب من الشكر . الأصل : واعلم أن أمامك طريقا ذا مسافة بعيدة ، ومشقة شديدة ، وأنه لا غنى بك فيه عن حسن الارتياد ، وقدر بلاغك من الزاد ، مع خفة الظهر ، فلا تحملن على ظهرك فوق طاقتك ، فيكون ثقل ذلك وبالا عليك ، وإذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل لك زادك إلى يوم القيامة ، فيوافيك به غدا حيث تحتاج إليه فاغتنمه وحمله إياه ، وأكثر من تزويده وأنت قادر عليه ، فلعلك تطلبه فلا تجده . واغتنم من استقرضك في حال غناك ، ليجعل قضاءه لك في يوم عسرتك . واعلم أن أمامك عقبة كؤودا ، المخف فيها أحسن حالا من المثقل ، والمبطئ عليها أقبح أمرا من المسرع ، وأن مهبطها بك لا محالة ، أما على جنة أو على نار ، فارتد لنفسك قبل نزولك ، ووطئ المنزل قبل حلولك ، فليس بعد الموت مستعتب ، ولا إلى الدنيا منصرف .